نبيل أحمد صقر
37
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
وتنوعت عنده أيضا مصادر الفقه بمختلف مذاهبه ، يجمع بين الأقوال حينا ، أو يذكر قولا لأحد أئمتها مقرونا باسم بعض الصحابة والتابعين ، وعلى الرغم من أنه مالكي المذهب إلا أنه لم يتوقف عند ذلك ، فلم يتعصب لمذهبه الفقهي ، ولم يناصر إلا ما وجده يتفق مع الآية أو الحديث ، أو ما فيه المصلحة للناس جميعا ، ولم يلجأ إلى القياس أو الإجماع إلا فيما ارتضاه أئمة المسلمين ، وهما على كل حال لم يمثلا دورا بارزا في تفسيره ، اللهم إلا في بعض القضايا القليلة التي رجع فيها إلى علماء الأصول كالغزالى والشافعي والشاطبى . أما عن مصادر النحو ، فلم يترك ابن عاشور مدرسة نحوية إلا وأخذ منها ، وقرن بين أقوال رجالها ، وقارن بين مذاهبهم ، وأكثر الأقوال كان يعزوها إلى أصحابها ، علاوة على جهوده النحوية التي زاحمت كثيرا هذه الأقوال . وتنوعت عنده مصادر الشعر من جاهلي وإسلامي وأموي ، وامتد استشهاده بالشعر إلى العصر العباسي ، كشعر المتنبي وأبى نواس وأبى العلاء ، على الرغم من توقف كثير من النقاد عند عصر الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث وأضرابهم ، والغالب أن ابن عاشور قد وجد عند هؤلاء الشعراء العباسيين ما يستشهد به أو يستأنس ، وقد كانوا - ولا ريب - من أرباب اللغة وأصحاب الباع الطويل فيها . وشغلت " اللغة " في التحرير والتنوير حيزا كبيرا ولم يكتف صاحبه بمعنى اللفظ المعجمى أو المقابل له ، وإنما كان السياق عونا أساسيا في كشف دلالات اللفظ القرآني ، وكان ابن عاشور يلجأ إلى ضروب الاشتقاق ووجوه الأعراب ، وقد يحدد المعنى الشرعي للفظ وتفصيل معناه مستعينا بأقوال علماء اللغة وواضعي المعاجم وكتب الأدب القديم والأمالي العلمية والمجالس النقدية والأدبية والتعريفات اللغوية ، وجهده الشخصي في كل ذلك ظاهر ، وثقافته اللغوية العريضة أظهر .